السيد محمد حسين الطهراني
49
معرفة المعاد
تغيّرت رؤيتهم الاستقلاليّة إلى الأشياء ، في الدنيا أو بعد الموت إلى رؤية تبصر حقيقتها وواقعها ، ويرون العوالم جميعها مجرّد ظهور وتجلٍّ لذات الحقّ المتعال ، فإنّ وجهها الخالقيّ موجود . فوجهها الخلقيّ هو مشاهدة هذا العالم بناءً على محور تحقّق العلل والمعلولات ، حيث ترى الأسباب والعلل مستقلّة التأثير في المسبَّبات والمعلولات . وهذه الوجهة الخلقيّة هي التي يقال عنها : إنّ النبات لا ينبت ولا يخضرّ ما لم توجد الشمس ؛ وإنّه لا ينمو بلا ماء ، وإنّه يحتاج إلى الهواء ؛ وإنّ شروط البيئة التي ينمو فيها النبات تؤثّر في نموّه تماماً ؛ وإنّ الجنين يجب أن يكون في بطن أُمّه على النحو الفلانيّ ، وإنّ عليه أن يطوي مراحل معيّنة ، وإلّا لما وجد ونما ، ولما صار له عقل وذكاء ؛ وإنّ موجودات هذا العالم جميعها تتحرّك في سلسلة انتظام صحيح للعلّة والمعلول ، فإن تخطّت إحدى العلل محلّها فإنّ العالم سيفسد من أساسه . فهذا العالم هو عالم الخلق ، وعالم الخلق موضوع على سنّة عالم العلل والأسباب ، فإذا زالت روابط العلّة والمعلول في هذا العالم ، زال هذا العالم معها ، فلا وجود لعالم الخلق بعدُ . لو جرى النظر إلى عالم الخلق بالنظرة التوحيديّة لظهر عالم الأمر أمّا لو نظر امرؤ من جانب الوجهة الخالقيّة ومن جانب الوجه الإلهيّ ، فإنّه سيرى هذه العلل والمعلولات كلّها في يد الربّ الذي هو علّة العلل ، وسيراه علّة العلل في الموجودات ويرى أنه هو المؤثّر ؛ كما أنه سيرى العوالم برمّتها وهذه السلسلة الطوليّة المترتّبة طائعة وخاضعة للّه ومندكّة وفانية فناءً محضاً تحت قدرة الله وعلمه وإرادته . وسينظر إلى عوالم الوجود قاطبة على أنها نوره وضياؤه وشعاع ذاته ، وسيعتبر العوالم بأسرها آثار الحقّ جلّ وعلا وخواصّه ، التي هي في حكم ملكات الإنسان وصفاته وأفعاله وجوارحه المتعلّقة بروحه . فأسماء ذات الحقّ وصفاته وأفعاله هذه